12.06.2010

1 جوتنبورغ في جب الأرقام

 

  

gutenberg.jpg

 

 

 

جوتنبورغ1 في جب الأرقام

 I

 

 

كم من الدبلكات2 (نسخ الفواتير بالفخونسي) استنسخت، ووضعت طَيَّ ظرف، وأرسلت إلى الزبناء الذين أتخيلهم بسذاجة، واقفين يترقبونها عند عتبة الباب، على أحرَّ من الرصاص المُذابْ. أو ربما لا ينتظرونها بتاتا. فقط منهم من هو مصاب بداء النـُّداء على وزن سُعال وكُساح، وهو داء التعياط... إلى مركز النداء وانتحال شخصية سلطان. فقد قالوا له أن الزبون سلطان، فصدَّق ذلك حرفيا وأخذ يتسلطن على السآرسة3 بكل ما ملكت نفسه من قوة الإدعاء، وسولت له أن يأمر وينهى...

إييه سآرسة ... يا لقومي...

جميلة تلك الحركة البسيطة. وضع رسالة في ظرف وإرسالها. إلى بعض منك. حرَمَنا الإمايل من تلك المتعة. الإمايل بمَدِّ الألف دون إمالته، كما ينطق الزبون- السلطان. للأسف لم يبقَ للبريد العادي إلا إيصال الفواتير أوالاستدعاءات أوالإشعارات الملونة التي غالبا ما تنذر ولا تبشر.

لو عاشت الآن جورج صاند4 صاحبة "بحيرة الشيطان"5 (الرواية اللذيذة رغم عنوانها) والتي كتبت رسائل بلغت أربعة مجلدات كبيرة في الأرشيف الوطني الفرنسي...دون احتساب الرسوم والروايات والقصص (الرسوم ماشي بمعني طي-طي-سي6) الرسوم الجميلة لأنها كانت فنانة فوق ذا وذاك...لو عاشت الآن هل كانت سترسل كل تلك الرسائل...أم أنها كانت فقط مظروفة7 بالهدوء الذي فرضه الظرف التاريخي والورقة والريشة والسكينة.... ما عليناش...

لكنني حينما أرسل الدبلكات أتحسر على أنه محظورٌ علي أن أكتب "شكرا ساعي البريد" أسفل الظرف كما كنت أفعل في الماضي ما قبل-الإيمايلي، وكما كان الأدب يقتضي...وكذلك اتقاءً لشر تمزيقها وضياعها، بل والاطلاع عليها من قوم غرباء. من هذه الحيثية ربما الحداثة وقتنا شرور بعض السُّعاة... وفي الحقيقة لا أستطيع أن أكتب تلك العبارة...شحال قدي...بزاف8...وقد يظنها الساعي سخرية مني فأقع في المحذور من حيث كنت أريد أن أتقيه... الوقت تبدلات... 

ولفرط ما استنسخت من الدبلكات انتابني نوع من الشُّكَاك (بارانويا9 بالفخونسي) صرت لا أعرف هل أنا ما زلت هو أنا، أم فقط دبلكة مني...خاصة أنني صرت من حين لآخر أدندن لاإراديا أغنية ناس الغيوان " واش حنا هما حنا" مما زاد الطين بلة. لا بد أن الداء استمكن من اللاشعور حتى أعلن عن نفسه بهذه الأغنية...

وبما أنني عادة أريد أن أفهم مراد الله قدر مستطاعي، لأن كل ما يحدث للإنسان هو من قبيل المخاطبات الخفية التي عليه أن يعيها... مضيت في التفكير.

هذا الشُّكاك الذي أصابني، ربما هو إرهاص لشيء ما فمن يدري... ربما، ربما في يوم من الأيام، مع تعميق التفكير وتقليبه وتجَوْهُره، ربما تتفجر قريحتي عن آلة أستطيع أن أستنسخ بواسطتها من نفسي ما أشاء... عشرين أو ثلاثين دبلكة وبدون تكلفةٍ ولا عبثٍ بشَفرتي الجينية كما يعبث الرائيليون10.

تلك الطائفة التي سكت الإعلام عنها، ليس لأنها أوقفت عمليات الاستنساخ، أشك في ذلك، ولكن فقط أخفت نشاطها. وربما نقلته إلى حيث جهات عدوانية قليلة العدد في العالم، ستحتضنه إلى يوم تفاجئنا بجيش مستنسَخ تحتل به الأرض دون خسائر بشرية في صفوفها، إلا خسائرنا بالطبع وهي لا تعني شيئا في الميزان. وبما أن مستنسخيهم القتلى لا بَوَاكِيَ لهم، لن تتحرك المنظمات غير الحكومية لإيقاف الحرب لأنهم لن يعرفوا أصلا أنها قامت...على غيرهم... 

ولكنني أعلنها من اليوم. دبلكتي الشخصية أريدها فقط وفقط لأغراض سلمية. أقولها وأعيدها بوضوح، وعلى كل المنابر الدولية، دبلكتي (استنساخي) هي لأغراض سلمية. لا أريد ضجيج منظمة الصحة ولا حملات تفتيش وكالة الطاقة الوراثية التي قد تظهر بمجرد ما أشْهِر اختراعي العجيب...

بخ ٍ بخ ٍ لو نجحت الفكرة وصنعت الدبلوكية (اسم آلة الدَّبْلكة البشرية التي أود صنعها) وتمكنت أن أستنسخ عشرين أو ثلاثين دبلكة مني...

 

دبلكة أولى سأبعثها بها يوميا، رسميا ودون تأخير على الساعة الثامنة صباحا، للقيام نيابة عني بمهام الدبلكة (النسخ) في جُبِّ  الأرقام... وسأبرمج هذه الدبلكة على أن لا تنطق بكلمة لأنه ليس بالضرورة أن يكون لها طبعي أو طريقة حديثي. فيُكْشَف أمر غيابي. لا أريدهم أن يبحثوا عن النسخة الأصلية،- أنا - فقد تعبت من التحقيق والتدقيق والتشقيق. وأنا لم أتجَشَّمْ عناء صنع الدبلوكية إلا لأتفادى التحقيق والتدقيق والتشقيق...ليس تشقيق الكلام ذاك أحبه...ولا تشقيق الشعر بالزيت... ولكن تشقيق الرأس من الشقيقة. ثم قد أتهم بجريمة انتحال شخصية، ليست إلا شخصيتي أنا...تهمة قائمة ولكن بدون موضوع...

ملحوظة: إن أردتم أنتم كذلك دبلكات منكم فما عليكم إلا أن ترسلوا لي أو-بي11 فيها جميع البيانات اللازمة...دون ضمان خدمات ما بعد البيع بالطبع... 

 

دبكلة ثانية أرسلها لتجدد بطاقتي الوطنية لأن صلاحيتها انتهت منذ سنة، وأنا الآن أجول في الشوارع كالترَاَبنْدُو12. فلا أنا من حاملي البطاقة العتيقة الدرويشة الاقتصادية، لرشاقتها وعدم قابليتها للانكسار فالتجديد مع احتساب الرسوم... ولا أنا من أصحاب البطاقة الجديدة التي يا ويحك إن غفلت ووضعتها في جيب سروالك الخلفي ثم جلست على أريكة حديدية أو خشبية في حديقة جميلة وسمعت "طق" ...حينها ستلعن ربيع قرطبة وابن زيدون وولادة بنت المستكفي... لأنك ستتذكر جهد استصدارها، ورحلة حانون التي قمت بها بين المصالح والأوراق والبلدان والمدن إن كنت من مكان آخر، حيث عليك أن تشد الرحال وتأتي بالعقود الراشية، مع ما يستدعيه ذلك من طلب كودجي وضايسكي وكرين دايزر... وكم أكره التطواف بين المكاتب والأوراق المكدسة...لكن السفر سيروقني لو كنت من مدينة أخرى، ولأن أحلى ما في الرحلة الرحيل...فخذني معك يا سائق القطار...في مقصورة فارغة، أريد أن أنصت لعظامي، وربما قد أجدها تغتابني كما في النكتة...أريد أن أصمت وأنظر الأفق يسابقني وأسابقه...أريد أن أغض بصري عن الخلق... الخلق كثيرا ما يكونون حُجُبا مانعةً عن القصد...

 

دبلكة ثالثة سأرسلها كي تتبضَّعَ لي من السوق لأنني في الحقيقة شيئا ما أكوغا-فوب13 عندي رُهاب الأماكن العمومية لأنها غالبا تريك ما لا تحب. أقلها أن ترى أشخاصا في أرَثِّ الأسْمَال يقفون عليك وأنت تدفع العربة أو تأكل لقمة، يستعطونك شيئا مما عندك فترى نفسك محظوظا وفقط محظوظ، وتحمل صورتهم معك تنغص لك ما اقتنيت أو أكلت... وتضطر أن تعطيه...أحيانا إن كان الإيمان عاليا بذلا للمعروف وكرما واحتسابا عند الله عز وجل..وأحيانا أخرى حينما يكون الإيمان خفيضا تعطيه اتقاء أن يدعو عليك " تاكل جْغضِيضْ"... لا أعلم ما "جغضيض" ولكن اللفظة لوحدها مفزعة...

وستوفر علي دبلكتي عناء الوقوف عند الصندوق، وستضع المقتنيات على الطاولة ذات الحزام المتحرك، ثم تمر من الجهة الأخرى كي تضعها في الأكياس البلاستيكية، ولكن هنا قد يقع مشكل. فدبلكتي لا تعرف الحساب وأنا أعطيتها قدرا جُزَافيا من المال، وقد تتوتر إذا ألحت عليها القابضة في الزيادة إن كان هناك شيء أخذته فوق الحاجة، بل وحتى في تناول فائض النقود. ولا أدري ما يمكن أن يفضي إليه ذلك من ضرب وجرح سأتحمل أنا فقط تبـِعَاته، لأن الصورة مطابقة للأصل ولها قوة الإثبات ...

دبلكة رابعة أرسلها تؤدي عني فواتير الماء والكهرباء والهاتف والهواء مستقبلا والشمس ربما... لو استطاعوا أن يبنوا علينا قبة كبيرة لا تنفتح كي يدخل الهواء الجديد إلا بعد الأداء حسب نوع الاشتراك، و ثمن إجمالي وفاتورة موحدة لدرجة التوحد14...

 

دبلكة خامسة سأرسل بها كي تصعد السلالم الحلزونية...في زيارة كامية نوسطالجيكية...

 

 

يتبع...

 

1-         Gutenberg inventeur de la machine à imprimer

2-         Duplicata

3-         Translittération de CRC (chargé de relation client)

4-         Aurore Dupin dite George Sand

5-         La mare au diable

6-            Translittération de  TTC (toutes taxes comprises)

7-            Conditionnée

8 -           (أصلها بالجُزاف وهو البيع بالجملة فأدغمت الجيم في الزين لتقارب مخارج الحروف، بجزاف، بزاف)

9 -           Paranoïa

10-          Les raëliens

11-          EB (expression de besoin)

12-          Contrebande (trabando)

13-          Agoraphobie

14-          Autisme

15.10.2009

بعد طول غياب

 

توطئة

 

 

 

 

ما لقيت زميلا من زملاء الكام القدامى إلا وقال لي أين الكتابات؟ أين الكرونيكات؟ أين  مقامات بديع الزمان السؤرسي؟ ولا أدري ما أقول. ولأنني آخذ الكلام بجد ولو كان هازلا أو مجاملا، وبعد تفكير، خلصت إلى أن جمعها كلها في مدونة يكون أنسب كخطوة أولى في أفق استئناف الكتابة، وذلك لعدة أسباب:

أولا لأنها في حينها كانت حتما تقرأ مرة واحدة وفي عجالة، فما فـُهم فذاك، وما لم يُفهم يتجاوز، أما في شكل مدونة على الشبكة فسيعاد اكتشافها، ربما، بهدوء وتؤدة أكثر؛ إن لم يكن لأجل أفكارها الكاريكاتورية أساسا، فعلى الأقل لأنها ترسم مرحلة لا يمكن لأحد ممن مر من الكام أن ينكر أنها جزء من هويته كانسان.

ثانيا لأنها تمخضت من رحم معاناة وعلى صورة مضحكة ساخرة، وشر البلية ما يضحك كما يقال، فهي ثأر السخرية من الأوضاع القاسية. قسوة العمل في إطار يريد أن يكون حديديا لو أتيح له تطويع الإنسان أكثر فأكثر ولكن هيهات، لو لم تكن طبيعة الإنسان زئبقية عصية على التطويع...لا يمكن أن تعرف إنسانا، إنما يغيب عنك يقينك أنك تجهله. وهذا الإطار الحديدي يقوم عليه للأسف إنسان مثلك يريد أن يصعد في الكاريير، أو الكاريان...يريد أن يصير مديرا ثم مدير المدير، ثم مدير المدراء، ثم رئيس المدراء وهكذا ركضا خلف " نِعمتِ المرضعة وبـِئستِ الفاطمة "

ثالثا لأنها كانت بالنسبة للسآرسة، زيادة على كونها ساخرة، تخلق نوعا من التضامن والشعور بالانتماء لإطار ولو في أسفل السلم. شعور بالانتماء يعطي نوعا من القوة والمناعة النفسية ويحصن ولو بسخرية من الإحساس بالدونية والهوان على الناس. ليس دونية المهنة فليس هناك مهنة مهينة، ولكن دونية القائمين عليها من أعلى بشكل لا إنساني يختزلها في مطية للصعود إلى حيث... يتوجب الهبوط...أو السقوط رأسا...من يدري...

رابعا لأنها أضحكت بعمق جيلا من السآرسة، جيل المؤسسين، وأظن أنها حتما ستضحك من أتى بعدهم من باب أولى لأن مادتها ما زالت قائمة وموضوعها ما زال ذا جدة، فقط يكفي الإستئناس بمفرداتها وتقمص شخوصها وها هي حية من جديد. وأحزنتهم كذلك في بعض الأحيان لأنها وإن أضحكت لم تغير شيئا في الحقيقة...أو ربما...في صمت...الصمت الهيارشيكي الذي لا يعترف أنه تأثر بمن دونه لو تأثر...

خامسا لأنها أغرت شخصا أن يأتي ويطلب مني أن أصير "مراسلا" على مقاسه لقناة " هنا السلالم الحلزونية،" أكتب عن منجزات جليلة، وعن أنشطة وحياة تدب بقدومه الميمون... ولكنني لم أكن أكتب لأبلغ مأربا، ولا لأتسلق منصبا كما في منطقه المصوغ على الأوبجيكتيفات الصغيرة التي تـُنقط في آخر العام من حرف ألف إلى حرف جيم عبورا بحرف الباء، يقوم لها ولا يقعد...إن للحروف عندي يا صديقي شأنٌ أعظم من ذلك... فكانت الخاتمة فراقا أو تفريقا على مضض بيني وبين السلالم الحلزونية لخصته في رسالة التوديع... أقول على مضض لعدة أسباب أدناها وأقلها أنها تمت في غياب حرية الاختيار....ولكن رُبَّ ضارة نافعة...

سادسا لكي يتاح لمن يقرأها أن يكتب تعليقات  - مُعْتقدة أو مُنتقدة أو حتى ساخرة - على النصوص تكون مفيدة لكاتبها، لأنها تدل أولا أنه يُقرأ وتحفزه على المضي قدما لأنه لا يكتب لنفسه فحسب بل يكتب ليقرأ...

قراءة ممتعة وإلى اللقاء...